صديق الحسيني القنوجي البخاري

559

فتح البيان في مقاصد القرآن

[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 120 إلى 125 ] وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ ( 120 ) قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ ( 121 ) رَبِّ مُوسى وَهارُونَ ( 122 ) قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْها أَهْلَها فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 123 ) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ ( 124 ) قالُوا إِنَّا إِلى رَبِّنا مُنْقَلِبُونَ ( 125 ) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ أي خروا كأنما ألقاهم ملق على هيئة السجود أو لم يتمالكوا مما رأوا فكأنهم ألقوا أنفسهم ، قال السدي : ألقى موسى عصاه فأكلت كل حية لهم ، فلما رأوا ذلك سجدوا ، وعن قتادة نحوه ، قال ابن عباس : لما رأت السحرة ما رأت عرفت أن ذلك من أمر السماء وليس بسحر . فخروا سجدا قيل كانت مع السحرة حمل ثلاثمائة بعير فلما ابتلعتها عصا موسى كلها آمنوا به وخروا ساجدين . قالُوا آمَنَّا وإنما قالوا هذه المقالة وصرحوا بأنهم آمنوا بِرَبِّ الْعالَمِينَ ثم لم يكتفوا بذلك حتى قالوا رَبِّ مُوسى وَهارُونَ لئلا يتوهم متوهم من قوم فرعون المقرين بإلهيته أن السجود له قال الأوزاعي : لما خر السحرة سجدا رفعت لهم الجنة حتى نظروا إليها ، وقدموا موسى في الذكر وإن كان هارون أسن منه لكبره في الرتبة أو لأنه وقع فاصلة هنا . ولذلك قال في سورة طه بِرَبِّ هارُونَ وَمُوسى [ طه : 70 ] لوقوع موسى فاصلة أو لكون كل طائفة منهم قالت إحدى المقالتين فنسب فعل البعض إلى المجموع في سورة وفعل بعض آخر إلى المجموع في أخرى . قالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ والاستفهام للإنكار والتوبيخ والقراءات هنا أربع كلها سبعية ذكرها السمين ، أنكر فرعون على السحرة إيمانهم بموسى قبل أن يأذن لهم بذلك وقال إِنَّ هذا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ أي حيلة احتلتموها أنتم وموسى على مواطأة بينكم سابقة ، ومعنى فِي الْمَدِينَةِ أن هذه الحيلة والمواطأة كانت بينكم وأنتم بمدينة مصر قبل أن تبرزوا أنتم وموسى إلى هذه الصحراء لِتُخْرِجُوا مِنْها أي من مدينة مصر أَهْلَها من القبط وتستولوا عليها وتسكنوا فيها أنتم وبنو إسرائيل . وهاتان شبهتان ألقاهما إلى أسماع عوام القبط تثبيتا لهم على ما هم عليه وتهييجا لعداوتهم لموسى ، ثم هددهم بقوله فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ عاقبة صنعكم هذا وسوء مغبته ليريهم أن له قوة . ثم لم يكتف بهذا الوعيد والتهديد المجمل بل فصله فقال لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ أي الرجل اليمنى واليد اليسرى أو الرجل اليسرى واليد اليمنى ، قال ابن عباس : هو أول من قطع الأيدي والأرجل من خلاف وقال قتادة : أي يدا من ههنا ورجلا من ههنا .